Brandin’ You ابدأ مشروعك معنا
كل المقالات
|

العلامة التي تُرضي الجميع لا تُقنع أحداً

عن «الانجراف نحو الوسط»، ولماذا يكشفه التغليف قبل أي تقرير استراتيجي.

في الأسبوع الأخير من أبريل، قرأتُ مقالاً يتحدث عن ظاهرة يسمّيها صاحبها "الانجراف نحو الوسط" وهي تلك الحالة التي لا تقرر فيها العلامة التجارية أن تصبح عادية، بل تتراكم فيها القرارات الصغيرة حتى تجد نفسها يوماً ما في مكان لم تقصده. أضفت ميزة لأن منافسك أضافها، وسعت جمهورك لأن المستشار قال "لماذا تحصر نفسك؟" عدّلتَ اللهجة لأن التعليقات طالبت بـ"شيء أقرب للناس"، كل قرار وحده معقول، كل قرار وحده مفهوم. لكنك حين تجمعها، لا تجد علامة تجد توافقاً.

توقفتُ طويلاً عند هذه الفكرة، لأنني أراها كل يوم. لكنني أراها في مكان أكثر وضوحاً من أي تقرير استراتيجي أو خطاب تسويقي أراها في التغليف.

التغليف يعكس ما بُني قبله بدقة تامة.

حين تمتلك العلامة موقفاً واضحاً، يقوم التغليف بإيصاله إلى يد المستهلك كاملاً غير منقوص، وحين تتراكم التنازلات الاستراتيجية على مدى أشهر أو سنوات، يعكسها التغليف بنفس الأمانة لأنه آخر نقطة تماس في سلسلة طويلة من القرارات، وأكثرها قرباً من الإنسان. المستهلك لا يقرأ وثيقة الاستراتيجية، لكنه يشعر بوجودها أو غيابها في اللحظة التي تقع فيها العبوة بين يديه.

هذا ما يجعل التغليف اختباراً حقيقياً لأي علامة لا يمكن للضبابية الاستراتيجية أن تختبئ خلف جمال الأسطح طويلاً.

الإشكالية الحقيقية في سوقنا أن كثيرين يعتقدون أن التغليف هو تصميم سطح جميل يُلفّ به المنتج، شكل أنيق، ألوان موفقة، خط مقروء وانتهى الأمر. وهذا الفهم بالذات هو باب الانجراف الأكبر.

التغليف الحقيقي ليس سطحاً خلاباً فقط، هو ترجمة مادية لفكرة الهوية، هو الجسر الذي يصل بين ما تقوله العلامة وما يلمسه المستهلك بيديه، حرفياً وحين يتم تصميم التغليف بمعزل عن الهوية، ويتم تنفيذ الهوية بمعزل عن الاستراتيجية، ينتج عن ذلك الفراغ البصري الذي نراه في الأرفف كل يوم: منتجات تتزاحم دون أن تخاطب الفئة المستهدفة، وعلب تتشابه دون أن تميز أحدها عن الآخر.

أتذكر مشروعاً لشوكولاتة مستوحاة من الطراز الفرنسي البلجيكي، موجّهة للأطفال؛ كان يمكن أن يكون التغليف من ألوان زاهية، شخصيات كرتونية مألوفة لدى الأطفال أو بعض العبارات الطفولية التي تجذب الفئة المستهدفة لها، وهذا بالضبط ما يجعل الجميع متشابهاً.

لكننا حينها سألنا أنفسنا بشكل أعمق كان تركيزنا ينصب نحو بعد أكبر من الشكل الجميل بل كنا نبحث بتركيز عن السؤال الاستراتيجي، هذا السؤال كان مختلفاً: من أين تأتي هذه العلامة؟ أين المناطق العاطفية فيها، الأزمنة أو الفترات التي ترتبط عاطفياً بهذه العلامة أو المنتج؟ ما القصة التي تستحق أن تترجم على علبة يمسكها طفل؟

الجواب كان من الرسامة المسؤولة عن المشروع حيث أنها وجدت "ولقربها من الأطفال وتربيتهم" إن ارتباط الأطفال بالقصص التي ترويها الجدات، تلك اللحظات والحكايا التي تسبق النوم والشخصيات التي لا تجدها في أي مكتبة رقمية لأنها عاشت فقط في الذاكرة؛ من هناك استلهمت الرسامة الفكرة وقامت بابتكار تلك الشخصيات، و أضحت هذه الشخصيات هي أساس التغليف، بل روح العلامة أيضا.

هذا هو الاتساق الاستراتيجي حين يصل إلى آخر نقطة تماس. وتذكر إن السؤال الخاطئ يسحب نحو الوسط "المنطقة الرمادية" في التغليف

ما يجعل هذا الانجراف أكثر أثراً في سوق الخليج تحديداً أن المستهلك هنا لا يشتري المنتج بقدر ما يشتري الموقف. يشتري الإجابة على سؤال لم يطرحه بصوت عالٍ: هل هذا المنتج يفهمني؟

وحين تتوسط العلامة، تصبح الإجابة دائماً: ربما! إلى حدٍّ ما! بشكل عام. وهذا لا يكفي.

العلامات التي تبقى على الأرفف وفي الذاكرة هي تلك التي آمنت بوجهة نظر واحدة وحملتها حتى التفصيل الأخير في الهيكل الإنشائي للتغليف. ليس لأنها عنيدة، بل لأنها تعرف أن الاقتناع لا يتجزأ.

أحمد التتان

كل المقالات ›