كان سؤال جلسة «معشر المصممين» في هذه الجلسة بسيطاً:
ما الخطوة القادمة؟
لكن الحديث لم يستمر طويلاً عند السؤال نفسه، انتقل سريعاً إلى سؤال أصعب: كيف نعرف أصلاً أن الخطوة التي نفكر فيها تستحق أن نأخذها؟ كل خطوة لها قيمة، ولها كلفة. والمشكلة أن كليهما لا يظهر دائماً في الوقت الذي نتخذ فيه القرار.
الكلفة ليست بالضرورة فاتورة ندفعها، أو مبلغاً نخسره، قد تكون تأخراً في الوصول إلى نقطة كان يمكن أن نبلغها بصورة أسرع لو لم نأخذ هذه الخطوة؛ لكن القيمة أيضاً ليست أكثر وضوحاً.
قد تقضي سنوات في تخصص دون أن ترى نتيجة تتناسب مع الوقت الذي وضعته فيه، ثم يحدث بعد ذلك ما يشبه الانفجار: تتجمع الخبرة والمعرفة وطريقة التفكير، وتتحول أشياء صغيرة ومتفرقة إلى قدرة لم تكن موجودة قبل سنوات.
بعض المسارات تحتاج من الصبر أكثر مما نتوقع ولهذا يصعب الحكم على الخطوة من نتيجتها القريبة فقط.
حين يبدو المجال أصغر من حقيقته
حين بدأ المشاركون الحديث عن خطواتهم القادمة، كانت معظمها انتقالات دقيقة داخل مجال التصميم نفسه، من تصميم محتوى وسائل التواصل إلى تجربة المستخدم، مثلاً أو من ستوديو يصمم كل شيء إلى بيئة أكثر تخصصاً في الهوية والعلامات التجارية. وكان واضحاً أن هذه الخيارات لم تكن عشوائية، أصحابها كانوا واضحين وأذكياء في قراءة ما يفعلونه وما الذي يريدون تغييره.
لكن الأستاذ هاشم وسيد إبراهيم، مؤسس Spire Hub، أضافا إلى النقاش زاوية مهمة: أغلب من كان يتحدث لا يزال في السنوات الأولى من مساره المهني. وهنا لا تتعلق المسألة بقدرة المصمم على اتخاذ القرار، بل بحجم المجال الذي لم يستكشفه بعد. التصميم أطول وأوسع بكثير مما يبدو لنا في بداياتنا وحتى عندما نظن أننا عرفنا تخصصاته ومساراته، نكون غالباً قد عرفنا أسماءها أكثر مما اختبرنا ممارستها.
لذلك ربما يكون من المبكر أن نتعامل مع كل انتقال باعتباره إجابة نهائية عن سؤال: ماذا سأكون؟ ربما يكفي أن يكون إجابة جيدة عن سؤال أصغر:
ما الذي أحتاج أن أتعلمه الآن؟
ليس كل انتقال خروجاً من المسار
زينب قدمت مثالاً مهماً على ذلك. انتقلت بحكم عملها من ممارسة التصميم إلى التدريب، واكتشفت أنها تجد نفسها في هذا الجانب. لكنها لا تزال تبحث عن الطريقة التي يمكن أن يتطور بها هذا المسار الجديد من خبرتها السابقة، وأن يكون التدريب منبثقاً من التصميم أو ممتداً منه وهذا فرق مهم.
نحن نميل إلى تسمية الأشياء بسرعة: كنت مصمماً وأصبحت مدرباً. كنت في السوشال ميديا وانتقلت إلى UX كنت موظفاً وأصبحت مستقلاً لكن المسار المهني لا يعمل دائماً بهذه النظافة، أحياناً لا نستبدل خبرة بخبرة أخرى نحمل الأولى معنا، ثم نضيف إليها طبقة جديدة، وبعد سنوات تصبح القيمة الحقيقية في التركيبة التي لم يكن من الممكن التخطيط لها منذ البداية.
وماذا لو لم أرغب في الاستقلال أصلاً؟
كان هناك اتجاه آخر في الحديث يستحق التوقف عنده.
أغلب المشاركين كانوا يفكرون في العمل المستقل، أو يعملون فيه بالفعل، أو يفكرون في تأسيس مشاريعهم الخاصة، رغم أن بعضهم لم يتجاوز الحادية والعشرين. لا أعتقد أن هذا منفصل عن السنوات التي تضخمت فيها صناعة المحتوى، وخصوصاً خلال فترة كورونا أصبح المستقل وصاحب المشروع وصانع المحتوى حاضرين أمامنا باستمرار، حتى بدأ الاستقلال أحياناً يبدو وكأنه التطور الطبيعي للمصمم، وما عداه محطة تسبقه.
لكن إحدى المشاركات قدمت تصوراً مختلفاً تماماً هي موظفة في مؤسسة كبيرة، ولا تبحث عن مشروع خاص، ولا تخطط لأن تصبح مستقلة، تنتهي ساعات العمل، تنتهي معها المهام، وتعود إلى حياتها بعقل لديه مساحة لأشياء أخرى خارج العمل وضغوطه.
لم تكن تتحدث عن الوظيفة كحل مؤقت إلى أن تبدأ مشروعها كانت تتحدث عنها باعتبارها الحياة المهنية التي تناسبها وهذا مهم لأننا إذا كنا نتحدث عن اختيار الخطوة القادمة، فيجب أولاً أن نسمح بوجود أكثر من تعريف للنجاح؛ الاستقلال خيار والوظيفة خيار وبناء مشروع خيار ولا يصبح أحدها أكثر نضجاً لمجرد أنه أكثر حضوراً في المحتوى الذي نشاهده.
التدريب: أين الموجّه الصحيح؟
أخذ التدريب والتوجيه مساحة كبيرة من الحديث، وربما كشف عن مشكلة أكبر من التدريب نفسه:
أين يجد المصمم في بدايته الشخص الذي يعلّمه كيف تعمل، لا ماذا يجب عليك تنفيذه فقط؟
جزء من المشكلة يبدأ من طبيعة التدريب المرتبط بالتخرج فالطالب يحتاج إلى إتمام فترة تدريب حتى يكمل مساره الأكاديمي وفي المقابل تجد بعض المؤسسات في هذا النوع من التدريب فرصة للحصول على يد إضافية بكلفة أقل من التوظيف تتولى بعض المهام الصغيرة أو المتكررة التي تحتاج إلى من ينجزها.
وهنا قد يتحول التدريب من مساحة للتعلم إلى تبادل منفعة غير متوازن: المؤسسة تحصل على من يساعد في إنجاز العمل، بينما لا يحصل المتدرب بالضرورة على التوجيه الذي جاء من أجله، وفي تجارب أخرى تحدث عنها المشاركون، يحدث شيء مختلف كلياً حيث يوضع المتدرب متفرجاً دون اندماج حقيقي في العمل وبين الحالتين تضيع وظيفة التدريب فإما أن تكون موجوداً ولا تعمل، أو تعمل دون أن تتعلم لماذا تعمل بهذه الطريقة.
هذه المهمة، نفذها.
هذا التصميم، قم بتعديله.
هذا المقترح، مرفوض.
لكن لماذا؟ لماذا رفض؟ ما المشكلة فيه؟ كيف اتخذ القرار؟ وما الذي كان يمكن فعله بصورة أفضل؟ إذا غابت هذه الأسئلة وإجاباتها، فقد ينهي المتدرب الساعات المطلوبة منه، لكنه لا ينهي بالضرورة تجربة تدريب حقيقية، وفي المقابل ليست المسؤولية كلها على مكان التدريب.
طُرحت في الجلسة فكرة القدرة على قول: لا، هذا المكان غير مناسب لي، قد لا يكون ذلك ممكناً دائماً، خصوصاً عندما يكون التدريب متطلباً أكاديمياً يجب إتمامه، لكن يبقى على المتدرب قدر استطاعته، أن يبحث عن البيئة التي يتعلم فيها فعلاً.
والتعلم هنا يحتاج إلى شيء يتجاوز انتظار المهمة التالية: الفضول. أن تسأل كيف تعمل الأشياء، أن تعرف لماذا اتُّخذ القرار، وأن تحاول فهم ما يحدث حول المهمة التي أُسندت إليك، لا المهمة وحدها. لأن جزءاً كبيراً من الخبرة المهنية موجود في الأشياء التي لا يكتبها أحد في وصف المهمة.
ربما المشكلة في حجم العالم الذي ننظر إليه
كانت هذه النقطة التي عدت إليها أكثر من مرة خلال الحديث، جزء من الضبابية التي يعيشها المصمم اليوم نتيجة أن العالم الذي يقيس عليه مستقبله أصبح محصوراً فيما يصل إليه عبر الشاشة، يظهر الذكاء الاصطناعي بقوة فنبدأ بالسؤال: هل سيبقى لي مكان؟ نرى عدداً كبيراً من المصممين يدخلون التخصص الذي نفكر فيه، فنبدأ بالسؤال: هل أصبح مزدحماً؟ نرى مستقلاً ناجحاً، فنفكر في الاستقلال! نرى متخصصاً، فنشعر بأن علينا اختيار تخصصنا الآن.
المشكلة ليست في متابعة هذه التحولات أولاً وأخيراً يجب علينا أن نطلع عليها، المشكلة أن تكون هذه التحولات هي المقياس الذي نقرأ من خلاله مسارنا كله.
ربما السؤال الأكثر فائدة ليس: كم شخصاً يعمل فيما أعمل فيه بل:
كم أصبحت أفضل مما كنت عليه قبل عام؟
ماذا أصبحت أعرف ولا أعرفه سابقاً؟
ما نوع المشكلات التي أصبحت قادراً على حلها؟
وما النقطة التي أحاول الوصول إليها الآن؟
وكم خطوة تفصلني عنها؟
حتى هذه النقطة ليست عقداً نوقعه مع مستقبلنا قد نصل إليها ونكتشف نقطة أخرى، وقد تتغير اهتماماتنا أو تتقاطع خبراتنا مع مجال لم نكن نعرفه، أو نكتشف بعد سنوات أن أفضل ما حدث في مسارنا كان خطوة لم نفهم قيمتها وقتها.
ولهذا ربما لا نحتاج في كل مرة إلى أن نسأل "الخطوة القادمة" أين سينتهي بنا المسار؟ بل يكفي أن نطلب منها أن تضيف إلى المسار شيئاً، فالخطوة القادمة لا ينبغي أن تكون محصلة المسار بل نقطة تراكم تضيف إليك وإلى جودتك وخبرتك وقدرتك.
الإلحاح على المحصلة من "الخطوة القادمة" هو محاولة أن نجيب مبكراً عن سؤال النهاية، أما تراكم هذه الخطوات فيبني على كل ما سبقه من خطوات ويترك لما سيأتي بعده مساحة لأن يغير الإجابة.
لذلك، بعد كل الحديث عن سؤال الجلسة، أظن أن السؤال الذي يستحق أن يبقى معنا ليس:
ما الخطوة القادمة؟
بل:
على ماذا سأبني خطوتي القادمة، وماذا ستضيف إلى ما بنيته حتى الآن؟
أحمد التتان
من «معشر المصممين»
وُلد هذا المقال من نقاش دار في إحدى جلسات «معشر المصممين»، ولا يوثّق كل ما قيل فيها. «معشر المصممين» مكانٌ تُطرح فيه الأسئلة الحقيقية عن المهنة.