كثير من المصممين يتعاملون مع لحظة التخرج كخط نهاية، وكأن الشهادة هي الإثبات الأخير على الجاهزية المهنية.
الحقيقة التي تكشفها كل مسيرة مهنية طويلة أن التخرج ليس نهاية شيء بل أول محطة من محطات كثيرة، وأن ما يحدث بعده هو ما يصنع الفارق الحقيقي بين مصمم ومصمم آخر.
هذا كان محور جلسة "معشر المصممين" الأخيرة، بحضور الأستاذة بشاير المهدي وحوار امتد مع الحضور حول جوهر السؤال الذي انطلقت منه الفعالية: هل التخرج نهاية التحصيل المعرفي، أم مجرد بداية له؟
كانت الأستاذة بشاير دقيقة في تشخيصها وموقفها: الدراسة الأكاديمية بالغة الأهمية ولا غنى عنها كأساس لأي شخص يرغب في التخصص كمصمم أي كانت تفرعات هذا التخصص؛ وهو رأي أتفهمه تماماً، لأنني مررت بتجربة شخصية غيّرت قناعتي السابقة فيه جذرياً.
قبل خمس عشرة سنة أو أكثر كنت أؤمن تماماً أن الموهبة وحدها كافية، وأن الدراسة الأكاديمية رفاهية لا يحتاجها من يملك حساً فطرياً وموهبة بالتصميم. استغرقني وقتاً طويلاً لأدرك بالتجربة لا بالنظرية أن الموهبة والدراسة ليستا خصمين يتنافسان على المساحة نفسها، بل شريكان يكمل بعضهما البعض. فالدراسة لا تصنع الموهبة لكنها تختصر الطريق إليها؛ ترفع التركيز وتقلل الوقت الذي يُهدر في تجربة الأخطاء التي سبق لغيرك أن جرّبها وتعلّم منها.
من جهته، ركّز الدكتور شريف بدوان على ركيزة أخرى غالباً ما تُهمَل: التدريب؛ تدريب صحيح في مكان مناسب لا يُضيف مهارة فحسب بل يصنع شريحة كاملة من المصممين ذوي الجاهزية الحقيقية للسوق. واتفق الجميع في الجلسة على ملاحظة واحدة: الشريحة الأكبر من الطلاب تكتفي بتدريب الجامعة الإلزامي، ولا تلتفت إلى أن التدريب خارج هذا الإطار هو ما يصنع الفارق الفعلي لاحقاً.
أحد الحضور شارك تجربة تستحق التوقف عندها: درس التخصص، عمل في جهات مختلفة وصحف ثم عاد لإكمال دراسته، وهو اليوم في موقع يُوظّف فيه مصممين بنفسه. من هذا الموقع يرى الفرق بوضوح لا يخطئه أحد: الفجوة بين مخرجات من اهتم بالدراسة والتدريب معاً ومن اكتفى بأحدهما، فجوة يراها في كل سيرة ذاتية تمر أمامه.
كان لرواد الأعمال الحاضرين زاوية أخرى لا تقل أهمية: الدراسة نقطة انطلاق لا محطة اكتفاء، مسيرتك تُصنع بعدها لا خلالها فقط:
- أن تواصل التحصيل المعرفي من الجهات الصحيحة
- أن تتقبّل الملاحظات والتوجيه والترشيحات
- وأن تمارس المهنة في الأماكن المناسبة
هذه الخيارات مجتمعة هي ما يُحدث الفرق الحقيقي لا الشهادة بمفردها.
وربما كانت أدق نقطة في الجلسة كلها رغم بساطتها تختزل في: الخطوة القادمة. طموح المصمم، الطالب أو الموظف، يبدأ من معرفة خطوته القادمة؛ من لا يعرف إلى أين يتجه لا يملك ما يعمل عليه أصلاً وحتى من لا يعرف بعد ماذا يريد، تكملة الدراسة أم التوظيف أم التدريب، عليه أولاً أن يحدد نقطته القادمة لأن هذا التحديد هو ما يجعل كل خطوة تالية ممكنة.
في النهاية، لا تختصمُ الموهبةُ الدراسةَ ولا تُغني الشهادةُ عن التدريب، والمسيرة المهنية ليست محطة تصل إليها فتتوقف، بل سلسلة قرارات صغيرة كل واحد منها يفتح الباب للذي يليه.
ختاماً، للأصدقاء الحضور:
كنتم جزءاً من هذه الجلسة ومادار فيها من نقاش، ويسعدنا أن يستمر أثره في تشكيل ما يليه من جلسات، إن كان لديكم موضوع ترغبون في أن نقوم بطرحه والنقاش فيه أو اسم ضيف ترون أن حضوره سيُضيف قيمة حقيقية، يسعدنا أن تشاركونا ذلك عبر الرد على هذا البريد مباشرة: maashardesigners@brandin-you.com
وإلى لقاء في جلسة جديدة قريبة
أحمد التتان
من «معشر المصممين»
وُلد هذا المقال من نقاش دار في إحدى جلسات «معشر المصممين»، ولا يوثّق كل ما قيل فيها. «معشر المصممين» مكانٌ تُطرح فيه الأسئلة الحقيقية عن المهنة.