في جلسة «معشر المصممين» الأخيرة، تحدث الأستاذ هاشم جعفر، ضيف الجلسة، عن المسارات المهنية في المجال الإبداعي، لكن ما وصلنا له خلال هذه الجلسة إن المسار أي كان المسار الذي نختاره لن يبدو عند تأمله جيداً، طريق واضح يبدأ من نقطة وينتهي عند أخرى.
نحن نميل إلى البحث مبكراً عن التخصص والوظيفة والخطوة التالية بينما تتشكل المهنة غالباً من تجارب ومحطات لا نعرف قيمتها وقت حدوثها، قد ننتقل بين مؤسسة ووكالة والعمل كمستقلين، وقد نكتشف أن المجال الذي ظنناه مناسباً لنا ليس كذلك، لكن كل تجربة تضيف معرفة أو مهارة أو حتى وضوحاً بشأن ما لا نريده وهذا هو الأهم.
لذلك فإن تغيير المسار ليس بالضرورة تراجعاً كما أن التقدم لا يعني دائماً الصعود في السلم الوظيفي؛ أحياناً تكون البيئة التي نتعلم فيها ونتعرض فيها لتحديات ومشاريع مختلفة أهم من المسمى الذي نحمله.
ما الذي يجب أن أعرفه أكثر؟
لا يكفي أن نعرف ما نحب بل علينا أن نفهم ما نجيده وما يمكن أن نتطور فيه وما يحتاجه السوق. الموهبة والمهارة التقنية أمر بالغ الأهمية، لكنهما لا تصنعان التميز منفردين! فالتواصل والعرض والإقناع وفهم الزبون والعمل الجماعي جزء من القيمة التي يقدمها المبدع. ومع اتساع الخبرة يصبح الفرق الحقيقي في القدرة على الجمع بين التفكير الإبداعي والتفكير الاستراتيجي؛ أن ننتج الأفكار ونفهم في الوقت نفسه المشكلة والجمهور والسوق والهدف الذي يجب أن يخدمه هذا التصميم. ولهذا لا تأتي الخبرة من الدورات وحدها، فالاحتكاك بالمشاريع والعملاء والقرارات الحقيقية، والقراءة خارج التخصص، كلها توسع طريقة التفكير وتمنح المبدع أدوات لا يمكن تعلمها بالكامل من المحتوى.
متى أكون جيداً؟
في مرحلة ما لا يعود السؤال فقط: هل أقدم عملاً جيداً؟ بل: هل يعرف الأشخاص المناسبون أنني أقدمه؟ جودة العمل تحتاج إلى ظهور مهني مستمر، وعرض واضح للقيمة، ودراسات حالة تشرح المشكلة والفكرة وطريقة التفكير لا النتيجة النهائية فقط. كما أن العلاقات والفعاليات والورش وأصحاب الخبرة يمكن أن تكون جزءاً من بناء المسار، ليس لأنها تفتح فرصاً مباشرة دائماً، بل لأنها توسع دائرة المعرفة وتسمح لنا برؤية المهنة من زوايا لا نستطيع الوصول إليها وحدنا.
وفي النهاية، ربما لا يحتاج المبدع إلى أن يعرف منذ البداية أين سينتهي مساره، بقدر حاجته إلى أن يعرف ماذا تضيف كل محطة إلى المحطة التي سبقتها. فالمهنة ليست مجموعة قرارات منفصلة، بل تراكم للخبرات والمهارات والعلاقات وطريقة التفكير، ومع الوقت تتشكل شخصية مهنية لا يشترط أن يكون لها أسلوب بصري واحد، بقدر ما يكون لها أسلوب واضح في فهم المشكلات وصناعة الحلول. لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم «ماذا سأصبح؟» أو «ما الخطوة التالية؟» بل: ماذا ستضيف خطوتي القادمة إلى ما بنيته حتى الآن؟
في الجلسة القادمة السبت 19 سبتمبر سوف نتحدث عن التسعير لمقدمي الخدمات، ستكون الأسئلة مرتكزة في هذه النقطة، إن كنت ترغب في الحضور فلا تفوت التسجيل القادم.
أحمد التتان
من «معشر المصممين»
وُلد هذا المقال من نقاش دار في إحدى جلسات «معشر المصممين»، ولا يوثّق كل ما قيل فيها. «معشر المصممين» مكانٌ تُطرح فيه الأسئلة الحقيقية عن المهنة.